|
لا تعجز اليوم أن تجد في الأمة متكلمين كثيرين يحسنون تنميق الكلام
ويتشدقون به ، ولكنك ستجد مشقة وعناء في الحصول على من يعمل بعلمه ،
فهؤلاء وجودهم عزيز وهم في الأمة قليل ، وعلمهم حجة لهم لا عليهم ،
وسواهم ممن لا يعمل بعلمه علمهم حجة عليهم يوم القيامة .
ولقد كان سلفنا الصالح -رضوان الله عليهم- لا يتجاوزون العشر آيات من
القرآن حتى يعرفوا معانيهن ويعملوا بهن ، وعلى هذا فالاقتصاد في الوعظ
من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فعن أبي وائل شقيق ابن سلمة قال
كان ابن مسعود -رضي الله عنه- يذكرنا في كل خميس ، فقال له رجل :يا أبا
عبد الرحمن ، لوددت أنك ذكرتنا كل يوم ، فقال :
{أما إنه يمنعني من ذلك أني اكره أن أملكم
، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يتخولنا بها مخافة السآمة علينا }. [متفق عليه] .
وعن أبي اليقظان عمار بن ياسر -رضي الله عنهما- قال : سمعت رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - يقول : {إن طول صلاة
الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه ، فأطيلوا الصلاة ، وأقصروا الخطبة }
رواه مسلم .
فانظر رحمك الله كيف جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - طول صلاة الرجل
وكثرة عمله ، وقصر خطبة وقلة كلامه ؛ علامة على فقهه ، وما أكثر تعليم
النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته وأمره إياهم أن يفعلوا فعله في مثل
قوله - صلى الله عليه وسلم - :{ صلوا كما
رأيتموني أصلي } وقوله - صلى الله عليه وسلم- :
{ خذو عني مناسككم } ، وصدق الله
العظيم إذ يقول :{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي
رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ
والْيَوْمَ الآخِرَ وذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً }.
فهل يعي هذا المسلمون عامة والدعاة منهم خاصة ، فرب داعٍ إلى الله
بخلقه وعمله قبل دعوته لهم بكلامه ومثل هذا دونه خرط القتاد ، فنحن
اليوم أحوج ما نكون إلى أمثال هؤلاء ، إلى من يكون قدوة حسنة تتمثل فيه
تعاليم الكتاب والسنة كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة
لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ، نسأل الله -عز وجل- أن يمن على الأمة
بأمثال هؤلاء إنه جواد كريم . |